الرئيسية

مرحباً بكم بموقعي البسيط.


يبدأ الإنسان من ضعفٍ خالص، لا يملك لنفسه حولًا ولا قوة، يُخلق ثم يُنقَل في أطوارٍ متتابعة، من نطفةٍ إلى علقةٍ إلى جسدٍ يتشكّل شيئًا فشيئًا، حتى يخرج إلى الدنيا… اقرأ المزيدطيّ النص

يبدأ الإنسان من ضعفٍ خالص، لا يملك لنفسه حولًا ولا قوة، يُخلق ثم يُنقَل في أطوارٍ متتابعة، من نطفةٍ إلى علقةٍ إلى جسدٍ يتشكّل شيئًا فشيئًا، حتى يخرج إلى الدنيا لا يعلم من أمرها شيئًا. وفي طفولته يكون أقرب ما يكون إلى الصفاء؛ نفسٌ خفيفة، وقلبٌ لم تتراكم عليه طبقات التجربة بعد، ونظرةٌ ترى العالم ببساطته الأولى. يُحاط برحمةٍ وحفظٍ ولطفٍ لا يدركه، كأن في وجوده معنىً يُصان قبل أن يُمتحن، ويبقى في أصل فطرته ميلٌ إلى النقاء والقبول. ثم تبدأ الحياة في رسم ملامحها عليه بهدوء؛ بيئةٌ تُؤثر، وكلماتٌ تُقال، وتجاربُ صغيرة تتراكم دون أن يُنتبه لها، فتُضيف إلى داخله ما لم يكن فيه من قبل، فيبقى أصل النقاء حاضرًا، لكنه يختلط بما يكتسبه من طريقه. حتى إذا بلغ واشتدّ عوده، فُتح له باب القوة والإدراك، فصار يسعى في الأرض ويأخذ منها ويعطي، ويظنّ أن ما وصل إليه من صنعه وحده، بينما هو في الحقيقة قائمٌ على ما لم يختره أصلًا. وفي مسيره يتقلّب؛ إذا أصابه الخير اطمأنّ به وركن إليه، وإذا مسّه الشر ضاق صدره، فيتأرجح بين الفرح والجزع، بين الامتلاء والنقص. وإن أُعطي نعمةً رأى أنها من كسبه، وإن حُرم ظنّ أن الأمر انقلب عليه، مع أن كل ما يمرّ به انتقالٌ بين أحوالٍ لا تثبت فيها صورة. ومع ذلك، ففي داخله فطرةٌ لا تنطفئ، ونداءٌ خفيّ يعيده كلما ابتعد، وبابٌ للرجوع لا يُغلق، كأن فيه ميزانًا داخليًا يميّز بين ما يثقله وما يرفعه، مهما تراكم عليه من أثر الطريق. ثم يبلغ أشدّه، فتكتمل قوته ويستوي إدراكه، غير أنه في تلك اللحظة يكون قد بدأ الاقتراب من عكس المسار، حيث يبدأ الجسد بالضعف، وما كان امتلاءً يتحوّل إلى نقصٍ تدريجي لا يُلحظ في بدايته. فينقلب بعد قوةٍ إلى ضعف، وبعد سعةٍ إلى ضيقٍ في الجسد والحواس، حتى يُردّ إلى حالٍ يشبه بدايته، لكن بذاكرةٍ كاملة للطريق كله، وما فيه من تغيّرٍ وتقلب. حتى إذا بلغ أرذل العمر، خفّ عنه ما كان يظنه ملكًا له، وتقلّصت دنياه شيئًا فشيئًا، كأنه يُعاد إلى صورته الأولى: إنسانٌ جاء من ضعفٍ، ومضى بين قوةٍ مؤقتة وتجربةٍ ممتدة، ثم عاد إلى ضعفٍ آخر. ثم تأتي اللحظة التي لا يُنازع فيها أحدٌ قدره، فيسكن الجسد بعد حركته، ويخفت الصوت بعد امتداده، وتخرج الروح من ثقل الدنيا كما دخلت أول مرة بلا ملكٍ ولا ادّعاء. ويُوارى الجسد في تراب الأرض التي خرج منها، ويعود إلى أصلٍ منه بدأ، كأن الرحلة تُطوى إلى نقطة الصفر: جسدٌ من ترابٍ عاد إلى التراب، بعد أن حمل فوقه عمرًا من التجربة. ويبقى أثر ما كان؛ ما قدّمه الإنسان في طريقه، وما تركه في قلوب الناس، وما حمله من خيرٍ أو غيره، هو وحده ما يرافق معناه بعد انتهاء حضوره. وهناك يتضح المشهد كاملًا: أن الإنسان لم يكن يومًا ثابتًا، بل رحلةٌ بين ضعفٍ وقوةٍ، ووعيٍ وغفلةٍ، وبدايةٍ ونهاية، جاء من ترابٍ، ومضى في الحياة، ثم عاد إلى التراب، وبقي ما بين ذلك موضعُ الامتحان والفهم.